يوسف المرعشلي

816

نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر

عبد المجيد الطرابيشي « * » ( 1290 - 1363 ه ) الفقيه الحنفي ، المشارك : عبد المجيد بن بكري بن أحمد ، الطرابيشي الدمشقي . ولد في حي القنوات بدمشق بشهر رمضان سنة 1290 ه ، ولما نشأ أخذ عن شيوخ أجلاء ؛ فقرأ على الشيخ عطا الكسم ؛ مفتي الشام ، وله منه إجازة ، والشيخ أمين سويد ، والشيخ عبد القادر بدران ؛ وله منه إجازة ، والشيخ محمود العطّار ، والشيخ عبد الحكيم الأفغاني ؛ قرأ عليه في دار الحديث ، وكان من خلّص تلاميذه . وكان في مطلع شبابه ينسخ الكتب . تنقّل في وظائف كثيرة ؛ فأمّ في جامع سيدي خليل تجاه باب قلعة دمشق الغربي ، وفي جامع فضل اللّه البصروي تجاه السرايا ( وزارة الداخلية اليوم ) . وعيّن إماما وخطيبا ومدرّسا في جامع السادات بسوق مدحة باشا بدءا من 4 رجب سنة 1314 ه ؛ وبقي فيه حتى ربيع الأول سنة 1337 ه حين نقل إلى جامع السنانية إماما حنفيا ومدرّسا ، وحلّ مكانه في جامع السادات الشيخ علي الدقر الذي كان يمازحه فيما بعد قائلا : « لقد أورثني بعدك الجامع أوجاع المفاصل » ، لرطوبته . عرضت عليه مناصب عديدة في الإفتاء ، وفي رئاسة المولوية فرفضها ، وكان أستاذه الشيخ عطا الكسم كثيرا ما يستشيره في الفتاوى الفقهية ، ويحيل عليه العديد منها . تصدّر لإقراء الفقه يوميا في حلقات يقيمها في الجامع ، وفي البيت عنده ، وتخرّج عليه تلاميذ كثيرون ، منهم : الشيخ أحمد الجبّان ، والشيخ محمد صفا ؛ قرأ عليه الأصول في جامع زيد بن ثابت درسا خاصا . حج سنة 1362 ه ، وزار النبي صلى اللّه عليه وسلم . عالم ، متواضع ، يكره الظهور ، ويكره حضور الولائم ، ولهذا فإنه حين كان يذهب إلى الزبداني لزيارة بعض أقربائه يصلي في سدّة الجامع ( السقيفة ) لئلا يراه أحد فيدعوه إلى الطعام . ومن أخلاقه الابتعاد عن التزلّف للحكام ، يروى أنه لمّا توّج الملك فيصل على سورية تقرّب إلى العلماء ؛ فوزّع عليهم أعطيات ، وجاءه منه صلة ، فطلب إليه بعض من حوله أن يبعث بشكره إلى الملك ، فرفض . يكره الغيبة في المجالس كل الكراهية ، وإذا اتفق وسمع تعريضا بأحد أو كلاما لا يرضى عنه ردّد دعاء له مشهورا : « اللهم تب علينا يا تواب ، تب علينا يا تواب ، تب علينا كي نتوب » . عاش حياته ببساطة ، لم يحو إلا الأثاث الضروري الرخيص ؛ بعض فرش وبسط ووسائد ، ولم يكن يأكل غالبا إلا المأكولات البسيطة . رفيق بأولاده وبالصّغار عموما ؛ لم يضرب منهم أحدا ، ولم يقس عليهم ، ولا يحب أن يضرب الآخرون الصغار . وحدث مرة أن رجع ابنه من المدرسة قائلا له : إنّ المعلم ضربني ، فتألم ، وقال له في اليوم التالي : « أعط الأستاذ هذه الورقة يا بني » ، وكان كتب فيها : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الرَّحْمنُ ( 1 ) عَلَّمَ الْقُرْآنَ [ الرحمن : 1 - 2 ] فلما رآها الأستاذ فهم ، ولم يعد لضرب ابنه طوال السنة . يتحرّج من الفتيا ، وإن سأله المفتون عن أحكام حاول أن يتهرب كأنما يقول : « لقد هربنا من المناصب والفتيا خوف مسألة اللّه عز وجل ، فلماذا تريدون تحميلنا آثامكم ؟ » . مرض في آخر عمره ، ولما أحسّ بدنو أجله ، وبدت عليه علائم الموت قال لولده الأكبر : « بعد أن أموت تذهب يا بني إلى جامع المغاربة في حي قبر عاتكة ، وتقول لهم : مات الشيخ عبد المجيد الطرابيشي ، ثم ترجع فتخرج جنازتي في حفل بسيط ، وتسير بها بين الأزقة ولا تصل علي في الجامع » . فلما فعل ابنه ما أمره من تبليغ المغاربة إذا بطلاب العلم ومحبيه يتوافدون بالمئات على البيت ، ولم يمكنوا أهل المترجم أن يتصرفوا ، فغسّلوه وكفّنوه ، وتولّوا تجهيزه وإخراجه .

--> ( * ) « تاريخ علماء دمشق » للحافظ : 2 / 600 .